محمد متولي الشعراوي

1844

تفسير الشعراوى

يقولون - مثلا - اكتشف الميكروب على يد « باستير » ، لكن ألم يكن الميكروب موجودا قبل « باستير » ؟ كان الميكروب موجودا ، ولم يكن أحد يراه ؛ لأن الشئ إذا دق ولطف لا نقدر أن ندركه ؛ فليس عندنا الآلة التي تدركه ، ولم نكن قد اخترعنا المجهر الذي يكبّر الأشياء الدقيقة آلاف المرات . وكذلك اخترع الناس التلسكوب ، فبعد أن كان الشئ لا يرى لبعده ، أصبح يرى بوساطة التلسكوب ، وإن كان الشئ ضئيلا جدا ولا نراه . فقد استطعنا أن نراه بوساطة المجهر المسمى « الميكروسكوب » . و « التلسكوب » يقرب البعيد و « الميكروسكوب » يكبر الصغير فنرى له حركة وحياة ، ونجد له مجالا يسبح فيه ، وهذا جعلني إذا حدثني القرآن أن للّه خلقا غاب عن الحس لا يدرك من جن وملائكة ، فلا أكذب ذلك ، لأن هناك أشياء كانت موجودة ولم تدخل تحت حسى ولا إدراكى مع أنها من مادتى ، فإذا كانت الأشياء الأخرى من مادة أخرى مثل الملائكة من نور ، أو الجن من النار ، ويقول لي سبحانه إنهم مخلوقون وموجودون فأنا لا أكذب ما جاء عن الحق ؛ لأن هناك أشياء من جنسي كانت موجودة ولم أستطع أن أراها . إذن فهذه قربت لي المسألة ، فعندما يقول الحق : « إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ » فنحن نعرف أن نصر اللّه مترتب على أن تدخل المعركة وأنت تريد أن تنصر اللّه ، وتنصره بماذا ؟ بأنك تحقق كلمته وتجعلها هي العليا ، وليس هذا فقط هو المطلوب ، بل لتجعل - أيضا - كلمة الذين كفروا السفلى . « وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ » إنه في ظاهر الأمر يكون معنا ، لكننا نشعر أنه تخلى عنا ، لماذا ؟ لأننا نترك بعضا من تعاليم اللّه ، إذن فهو في المظهر العام معكم كمسلمين ، ومن معيته لكم أن يؤدبكم على المخالفة فيخذلكم عندما تخالفون عن أمره . ويختم الحق سبحانه الآية بقوله : « وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » وفي الآية السابقة قال سبحانه : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » ، والذي لا يتوكل على اللّه عليه أن يراجع إيمانه .